نبرة دونالد ترمب الهادئة تجاه الدولار تشعل رهانات الهبوط الكبير

دخلت أسواق العملات العالمية مرحلة جديدة من الترقب والحذر بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي بدت وكأنها مباركة رسمية لتراجع قيمة العملة الخضراء. وبينما يراقب العالم أداء الاقتصاد الأميركي الذي يواجه تناقضات بين إنفاق استهلاكي قوي وثقة مستهلكين مهتزة، يرى المحللون أننا بصدد تحول استراتيجي في السياسة النقدية والمالية للولايات المتحدة. إن تبني الإدارة الحالية لفكرة الدولار الضعيف كأداة لدعم الصادرات يعيد صياغة قواعد اللعبة في وول ستريت وبورصات العالم.
هبوط تاريخي وتصريحات غير متوقعة
تسببت كلمات ترمب في ولاية آيوا، حين قلل من شأن ضعف الدولار واعتبره أمراً إيجابياً للأعمال الأميركية، في موجة بيع واسعة. وهبط مؤشر "بلومبرغ" للدولار بنسبة 1.2%، وهو أكبر تراجع يومي له منذ بدء فرض الرسوم الجمركية في العام الماضي.
لماذا تثير هذه النبرة قلق الأسواق؟
-
غياب شبكة الأمان: عادة ما يتدخل المسؤولون للدفاع عن استقرار العملة، لكن حين يبدو الرئيس "غير مكترث"، يشعر المستثمرون بأن الحماية التي كان يوفرها الدولار قد اختفت.
-
إعادة تقييم المخاطر: بدأ المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الأميركية، تعويضاً عن مخاطر تراجع قيمة العملة.
-
نموذج جديد: يرى ستيفن جين، صاحب نظرية "ابتسامة الدولار"، أننا أمام جيل من المحللين لم يعتد رؤية سيناريو "اقتصاد قوي مع دولار ضعيف"، وهو ما يتطلب إعادة ضبط استراتيجيات التداول العالمية.
تداعيات العملة الخضراء على المستوى العالمي
لم يتوقف أثر التصريحات عند حدود نيويورك، بل امتد ليشعل مكاسب العملات المنافسة. فقد قفز اليورو والجنيه الإسترليني إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عام 2021، بينما حلق الفرنك السويسري في أعلى قمة له منذ عقد تقريباً. وفي آسيا، قادت العملات المرتبطة بالتصدير مثل الرينغيت الماليزي والدولار التايواني المكاسب أمام العملة الأميركية، مستغلة الفجوة التي خلفها تراجع الدولار.
ثقة المستهلك الأميركي في مهب الريح
بالتوازي مع اضطرابات العملة، كشفت البيانات الاقتصادية عن فجوة مقلقة في الداخل الأميركي. فقد هوى مؤشر "كونفرنس بورد" لثقة المستهلكين إلى 84.5 نقطة في يناير، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2014. هذا التراجع الحاد يعكس مخاوف المواطن الأميركي من استمرار ارتفاع الأسعار وبطء خلق الوظائف، رغم عدم وجود موجات تسريح واسعة حتى الآن.
تفاصيل التراجع في الثقة
-
مؤشر التوقعات: انخفضت نظرة المستهلكين للأشهر الستة المقبلة إلى أدنى مستوياتها منذ أبريل الماضي، مما يشير إلى تشاؤم حيال المستقبل القريب.
-
الأوضاع الحالية: تراجع تقييم المستهلكين للوضع الحالي إلى أدنى مستوى في خمس سنوات، مما يضع ضغوطاً على الإدارة الحالية للتحرك.
لغز الإنفاق مقابل الدخل: هل نعيش في فقاعة؟
هناك ظاهرة غريبة تحدث في الاقتصاد الأميركي حالياً؛ فالإنفاق الاستهلاكي ينمو بنسبة 2.6% (معدلاً حسب التضخم)، بينما الدخل الشخصي المتاح لا ينمو إلا بنسبة 1% فقط. هذا التفاوت يدفع الأسر الأميركية إلى السحب من مدخراتها أو اللجوء إلى الديون لتمويل نمط حياتها.
كيف تستمر العائلات في الإنفاق؟
يشير الخبراء إلى أن المكاسب القوية في أسواق الأسهم تدعم الأسر الأكثر ثراءً، مما يبقي وتيرة الإنفاق العام مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت عمليات رد الضرائب الكبيرة المرتبطة بالتشريعات الضريبية الأخيرة في توفير سيولة مؤقتة. ومع ذلك، يحذر خبراء في "إي واي-بارثينون" من أن هذا المسار غير مستدام على المدى الطويل، خاصة إذا ظل نمو الأجور فاتراً في ظل تضخم راسخ.
رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة
إن استهداف سعر صرف أضعف للدولار هو سلاح ذو حدين. فمن ناحية، يزيد من تنافسية المنتجات الأميركية في الخارج، وهو هدف صريح لإدارة ترمب لتقليص العجز التجاري. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية محلياً عبر زيادة تكلفة الواردات، مما يزيد من معاناة المستهلكين الذين تآكلت مدخراتهم بالفعل.
كما يتوقع الاقتصاديون في "سيتي غروب" و"ويلز فارغو" أن يتباطأ الإنفاق الاستهلاكي حتماً خلال عام 2026 إذا لم يرافق ذلك نمو حقيقي في الدخول المتاحة. إن الاعتماد على الديون والمدخرات السابقة له حدود زمنية، خاصة مع بلوغ معدل الادخار أدنى مستوياته في ثلاث سنوات.
في نهاية المطاف
يبدو أن الأسواق العالمية بدأت تتقبل فكرة أن القوة المطلقة للدولار قد أصبحت جزءاً من الماضي، وأن الإدارة الأميركية الجديدة تفضل "دولاراً يخدم التصنيع" على "دولار يخدم التمويل". هذا التحول الجذري في السياسة يضع المستثمرين أمام تحديات صعبة؛ فبينما ينتعش المصدرون، يواجه المستهلكون ضغوطاً مزدوجة من تراجع الثقة وتآكل القدرة الشرائية. إن المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد على الصمود أمام رياح التغيير التي تهب من البيت الأبيض، وسط بيئة مالية تتسم بالتقلب وعدم اليقين، حيث يبحث الجميع عن ملجأ آمن في عالم لم يعد فيه الدولار هو الملاذ الوحيد المضمون.

